نهاية فصل
تغيّرتِ الأيامُ وانكشفتْ خفايا
وغابتْ شمسُ أحلامي سوايا
رحلتْ سنونُ الطيبِ من أوصالنا
وأصبحتْ الأضدادُ فينا سجايا
كأننا لم نزرعِ الدفءَ الذي
كانَ المأوى وقتَ بردِ الخطايا
القلبُ ما عادَ كما بالأمسِ نبضًا
صارَ رمادًا بعد نارِ القضايا
تبعثرتْ فينا المعاني والمنى
وتقاسَمَ الغيمُ اشتياقَ المرايا
الناسُ من حولي وجوهٌ جامدة
كلٌ يُخبّئ خلفَ صدّهِ خنايا
حتى الشعورُ تغيّرَتْ ألفاظُهُ
ما عدتُ أقرأ في العيونِ التحايا
كأننا في لوحةٍ من صمتِنا
نبني الجدارَ وننسفُ الزوايا
والحبُّ؟ ضاعَ بمتاهةٍ مرسومةٍ
ما بينَ عُذرٍ، وانكسارِ الرجايا
يا ليتَ ما كنّا، ولا كانَ الهوى
ولا جرَتْ منّا دموعُ السرايا
لكنّهُ فصلٌ تغيّرَ لونُهُ
وانتهى، ومضى بآخرِ السرايا…
بكلّ ركنٍ كان يُشبهُ موطني
سكنتْ برودةُ غربتي في الزوايا
كم شمسِ حبٍ قد أضاءت دَربَنا
وأفلَتْ، ما بين خذلانٍ ونايا
تراكمتْ فوقَ الجبينِ تأمّلاتٌ
كالعمرِ يمضي في سرابِ البقايا
ما عادَ في الطرقاتِ صوتُ مودّعٍ
الكلُّ يمضي، دونَ أدنى التحايا
حتى الرفاقُ، تغيّرتْ نبراتهم
ما عادَ فيهم مَن يُجاري الشكايا
والأهلُ؟ بعضُ الحُزنِ يسكنُ نظرةً
والبعضُ يلهو في صراعِ الزوايا
ما بينَ طعنِ القُربِ، أو بردِ الجفا
ضاعَ التوازنُ بينَ جدٍّ وهوايا
نهايةُ الفصلِ الحزينِ كتبتُها
بيدي، ودمعي في السطورِ دهايا
لكنني رغمَ السقوطِ وقسوتي
سأنهضُ… فالبذرةُ تولدُ من الرّدايا
وسأبتدي فصلًا جديدًا مشرقًا
ما عادَ يألفُ في دروبي الخطايا
فمن انتهى بالأمسِ، كانَ عباءةً
وخلعتُها… للضوءِ أفتحُ حنايا
سأجمعُ المكسورَ منّي وحدتي
وأعيدُ ترميمَ الرجاءِ الخفايا
فالدربُ إن مرّتْ بهِ أوجاعُنا
يُثمرُ رجاءً رغمَ مرِّ السقايا
لا بدّ من شمسٍ تُبدّدُ غيمنا
وتعودُ تضحكُ في المدى بكل الزوايا
قد يُولدُ الأملُ الكبيرُ بلحظةٍ
من نظرةٍ، أو من دعاءٍ وُصايا
وسأحتفي باليأسِ حينَ يُغادرُ
وأغنّي للماضي، وأطوي الحكايا
لا يُرهبُ التغييرَ إلا خائفٌ
ما ذاقَ في صمتِ التحدّي عَطايا
أما أنا، فالفصلُ يُكتبُ باسمي
وبداخلي نارُ الحياةِ سجايا
ما عادَ قلبي للشتاتِ مُعرّضًا
ولا لِـغدرِ الناسِ، أو للمزايا
فأنا النهايةُ، والبدايةُ نفسها
أنا التجلّي في عبورِ الرزايا…
هدأ الضجيجُ بداخلي وتوضّحتْ
خطوي، وأشرقتِ الدروبُ الخلايا
ما عادَ يُغريني الصراخُ بوجعِه
فالصمتُ في بعضِ المقامِ عُلايا
تعلّمتُ أني لستُ مرآةَ الورى
ولكلّ نفسٍ ما أرادتْ مزايا
وغفرتُ للماضي، لأنّي ناضجٌ
والنضجُ دفءٌ لا يُباعُ هدايا
ما عدتُ أركضُ خلفَ من لا يُدركُ
أنّ الوفاءَ شعيرةٌ لا سجايا
وسقيتُ جذعي من يقينِ محبتي
فنما الرجاءُ ونفضتُ الشكايا
هذي حياتي، بعد فصلٍ غائمٍ
جاءتْ، كما وعدَ النهارُ، السرايا…
تركتُ أحمالَ الندامةِ خلفَي
ومضيتُ أزرعُ في الدروبِ العطايا
ما عادَ يُربكني فُراقٌ عابرٌ
فالروحُ تعبرُ دونَ إذنِ النوايا
أنا لستُ ذلكَ من يُهشُّ لظلِّهم
يكفي ضيائي أن يكونَ هدايا
كم مرةٍ متُّ اشتياقًا وانطفاءً
وعدتُ أشهَقُ مثل صبحِ البرايا
ما عادَ يثنيني جفاءُ ملامحٍ
ولا ادّعاءُ الحبّ، أو بعضُ السرايا
أنا اكتفيتُ بنفسيَ المستبسلة
وبصحبتي، وبصدقِ نبضِ الزوايا
فالخيرُ في صدري، وفي بوحي دُنا
ترتاحُ فيها كلُّ روحٍ سجايا
وسأستمرُّ، وإن تبدّلَ حالُهم
فالثابتُ الإحساسُ، لا ما تَرايا…
رجعتُ من بينِ الرمادِ مكلَّلًا
بالعزمِ، بالإيمانِ، رغمَ الرزايا
نهضتُ، والوقتُ الثقيلُ يراقبُ
خطوي، ويخشاني إذا ما بدايا
ما خبتُ، بل كنتُ احتراقًا نافعًا
يُنبِتُ بقلبي ألفَ نورٍ مدايا
من كلِّ بابٍ أوصدوهُ بوجهي
صنعتُ بابي، واحتويتُ النعايا
سافرتُ في ذاتي، وجدتُ بداخلي
كونًا يُعلّمني ارتقاءَ البقايا
ما خُنتُ إحساسي، ولا بعثرتُه
لكنني صنتُ الوفاءَ خفايا
فالآن أرجعُ، لا كما كنّا نُرى
بل صرتُ أغلى من رؤى الأيامِ وطايا…
رجعتُ والخطواتُ تعرفُ دربها
ما عادَ يُغويني سرابُ القضايا
حملتُ جرحي لا لأبكي عجزَه
لكنْ لأبني منه صرحَ العطايا
والآنَ أزهَرَ في المدى إيماني
كالنورِ يشقُّ العتامى بدايا
أنا لا أعودُ كما مضيتُ مُبلّلًا
بل كالشتاءِ يعودُ يسقي الثنايا
في كلّ ذرةِ كسرِ قلبي حكمةٌ
علّمتني كيف أسمو خفايا
ما عادَ شيءٌ يشبهني بالغوى
قلبي تصفّى، وانتهتْ فيّ الشكايا
فامضوا، فلستُ أسيرَ نظرةِ عاتبٍ
أنا من يُغنّي إن تهاوى الردايا...
قد كنتُ فصلًا في ظلالِ حكايةٍ
واليومَ أُكتبُ من شعاعِ السرايا
مررتُ بالألمِ الطويلِ كأنني
غصنٌ تكسّرَ ثم عادَ زكايا
نزفتُ صدقًا، ثم عُدتُ كأنني
ما كنتُ يومًا موطنًا للمنايا
أقسمتُ أن لا أنحني لعواصفٍ
ما دامَ في صدري رُبىً و
عطايا
أنا من اختارَ الحياةَ بإرادةٍ
وأعادَ رسمَ العمرِ رغمَ الخطايا
هذي فصولي، قد ختمتُ حروفَها
بالحبِّ، بالوعيِ، وبالرضا هدايا
فامضوا، واذكروا أنني إن متُّ يومًا
قد عشتُ حرًّا… لا أخافُ الرزايا.









