افتح باباً من صبر العزاء
لا أرضَ عادَ لي ولا بناءُ
لا سماءٌ تظلُّني ولا فِناءُ
لا جهودي حصدتْ ثمارَها
وطالَ في مدى حُبّي اللقاءُ
أمشي وحيدًا والسنينُ شهودُ
والقلبُ صبرٌ والحنينُ نداءُ
أرنو لِفجرٍ ضاعَ بين يديَّ
كأنّه حلمٌ تبخّرَ، ماءُ
ما عدتُ أرجو من زماني وعدَهُ
فالصدقُ فيه كذبةٌ عمياءُ
لكنّ في صدري بقايا وقفةٍ
إن طال ليلُ اليأسِ يأتي الضياءُ
أحملُ عمري كاهلًا متعبًا
والهمُّ في أضلاعيَ الإعياءُ
كم مرّ بي وجهُ الرجاءِ فلم
يبقَ سوى صمتٍ بهِ استحياءُ
ناديتُ أيّامي فلم تسمعْ
كأنّ صوتي في المدى هباءُ
ما عاد في الطرقاتِ متّسعٌ
إلّا لظلٍّ رافقتهُ عناءُ
حتى دعائي صار يسألني
هل بعد هذا الصبرِ من رجاءُ؟
لكنّ قلبي، رغم ما أنهكتهُ
ما خانَهُ إيمانُهُ الراسخُ، لا
فاللهُ إن ضاقت مسالكُنا
بابُ السما مفتوحُهُ العطاءُ
كم خيّبتني خُطوةٌ حسبتُها
جسرَ النجاةِ فكانَتِ البلاءُ
وكم غرقتُ بساحةِ الانتظارِ
حتى تساوى في عيوني الرجاءُ
علّمتني الأيامُ أن أكتفي
بالصمتِ حين يضيعُ بي الإفضاءُ
وأن أضمَّ الجرحَ لا أشكوهُ
فبعضُ البوحِ مهلكٌ عَناءُ
ما عدتُ أطلبُ من بشرٍ وفاءً
فالوفا في الناسِ استثناءُ
إن كان لي في الدربِ شيءٌ أرتجي
فهو السكونُ إذا تولّى الضوضاءُ
تعبتُ من حملِ الأسئلةِ التي
لا ينتهي في جوابها صمّاءُ
ومن وعودٍ أزهرتْ في مهجتي
ثم استحالَ عبيرُها جفاءُ
كلُّ الوجوهِ إذا ابتسمتْ بدتْ
والدهرُ خلفَ قناعِها دَهاءُ
أعطيتُ حتى لم يعد في راحتي
إلّا فراغٌ يشبهُ الإعياءُ
ورغم هذا، لم أكسرْ رايتي
ولا انحنى في موقفي الإباءُ
فأنا ابنُ صبرٍ كلّما طال الأسى
نبتَ الرجاءُ وإن توارى الجلاء
ما عدتُ أجهلُ أن دربي وعِرٌ
وأنَّ هذا الصبرَ منهُ ابتلاءُ
لكنني ما خنتُ عهدَ وقوفي
ولا بعتُ نفسي حين عزَّ النداءُ
كسرتني الريحُ لكنّني
ما زلتُ واقفًا… والوقوفُ بنّاءُ
إن ساء ظنّي بالمسيرِ فإنني
أحسنُ الظنَّ إذا جارَ القضاءُ
قد يخسرُ المرءُ الحياةَ مرّةً
لكنّهُ إن صانَ روحَهُ نَجاءُ
بقي القليلُ… وفي البقايا وقفةٌ
إن قيل هذا آخرُ الدربِ، لا
ما عاد يؤلمني سقوطُ المنى
فالوجعُ القديمُ هو العناءُ
لكن يؤلمني انطفاءُ الذي
كان الطريقَ ونورهُ الإخاءُ
عشتُ الصدقَ في زمنٍ مراوغٍ
فالصدقُ فيه خسارةٌ وبلاءُ
إن قلتُ حقًّا قيل هذا ساذجٌ
أو قيل صوتُكَ للرياحِ فِداءُ
ومع هذا لم أساومْ خاطري
ولا انحرفتُ إذا تعاظمَ الإغواءُ
أنا ما خُلِقتُ لأكسبَ الزيفَ يومًا
إن طال صبري فالفِدا ثمنُ البقاءُ
لم يبقَ إلا أن أكونَ كما أنا
إن خذلَتْني الأرضُ… فاللهُ السماءُ
ما عاد في قلبي متّسعٌ لِما
يُرهقُ الروحَ ويُبقيها شقاءُ
أغلقتُ بابَ التمنّي بعدما
طالَ الوقوفُ وضاعَ فيه الرجاءُ
صادقتُ وحدتي فكانت رحمةً
إذ خانني في الزحامِ الأقرباءُ
وتعلّمتُ أن السلامَ غنيمةٌ
لا ينالُها في الدربِ إلّا الأتقياءُ
لا أرضَ عاد لي ولا بناءُ
لا سماءٌ تظلُّني ولا فناءُ
وجفّت عيوني من طول الانتظارِ
وما عاد في دربي غير الرياء
كتمتُ حزني وسط صمتٍ قاتلٍ
وأبكي وحدي في ليالٍ بَـرْداءُ
تاهَ صوتي وسطَ صدى النداءِ
وغابَ عن مسمعي كلُّ نداءُ
فيا ليتَ القلبَ لو لم يُحبَّ
ولم يجرحْ بينَ عذابِ الفناءُ
عشتُ أيامي بينَ الظلِّ والضياعِ
وصرتُ أسيرَ موجاتِ البلاءُ
لكنّني رغمَ الجراحِ والأنينِ
أحملُ في صدري بذورَ الإباءُ
فمهما طالَ ليلُ الألمِ المُوحشِ
تشرقُ شمسُ الفجرِ بعدَ الانطفاءُ
ويبقى الأملُ نورًا لا ينطفئُ
يروي القلبَ حتى في أوجِ البلاءُ
أضعتُ أملي في قلبٍ كان يوماً
يملؤه الحنانُ والوفاءُ
لكنني ما زلتُ أقاوم وحدي
في بحرِ الحزنِ أبحرُ دون شَـطاءُ
رغمَ الوجعِ يشرقُ في داخلي
نورُ الرجاءِ رغمَ كثرة البلاءُ
إن مرّ بي طيفُ الأسى لم أرتبكْ
فالجرحُ علّمني الثباتَ والإشفاءُ
أنا لستُ من يكسرُهُ فقدٌ وإن
ضاقتْ بهِ الدنيا وعزَّ العزاءُ
سأمضي كما أنا، بلا ضجّةٍ
فالصمتُ أحيانًا أصدقُ من نداءُ
مهما قست عليَّ الدُّنيا واحتدَّ البلاءُ
يبقى في صدري شعلةُ السناء
لا أنحني مهما طال سيفُ العناءِ
فالكرامةُ لي عزٌّ لا يُضاهى بالثناءِ
أصمدُ رغم الألمِ والدمعِ والخذلانِ
فالصبرُ في قلبي دوماً هو المناء
فمهما جارت عليَّ دروبُ الشقاء
يبقى في صدري نبضُ الرجاء
لن أركع مهما طال الضراءُ
فالكرامةُ عنوانُ الصمودِ والوفاءُ
هذا هو الختامُ، عزيمتي وسرُّ نضالي
بها أواجهُ الليالي بكلِّ عزاء


ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق